عثمان بن جني ( ابن جني )
223
الخصائص
فأمّا ( هل ) فقد أخرجت عن بابها إلى معنى قد ؛ نحو قول اللّه - سبحانه - هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [ الإنسان : 1 ] قالوا : معناه : قد أتى عليه ذلك . وقد يمكن عندي أن تكون مبقّاة في هذا الموضع على بابها من الاستفهام ، فكأنه قال - واللّه أعلم - : هل أتى على الإنسان هذا ؟ فلا بدّ في جوابه من ( نعم ) ملفوظا بها أو مقدرة ، أي فكما أن ذلك كذلك فينبغي للإنسان أن يحتقر نفسه ، ولا يبأى بما فتح له . وهذا كقولك لمن تريد الاحتجاج عليه : باللّه هل سألتني فأعطيتك ! أم هل زرتنى فأكرمتك ! . أي فكما أن ذلك كذلك فيجب أن تعرف حقّى عليك ، وإحسانى إليك . ويؤكّد هذا عندك قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 2 ، 3 ] أفلا تراه - عزّ اسمه - كيف عدّد عليه أياديه وألطافه له . فإن قلت : فما تصنع بقول الشاعر : سائل فوارس يربوع بشدّتنا * أهل رأونا بسفح القفّ ذي الأكم " 1 " ألا ترى إلى دخول همزة الاستفهام على هل ، ولو كانت على ما فيها من الاستفهام لم تلاق همزته لاستحالة اجتماع حرفين لمعنى واحد . وهذا يدلّ على خروجها عن الاستفهام إلى معنى الخبر . قيل : هذا قول يمكن أن يقوله صاحب هذا المذهب . ومثله خروج الهمزة عن الاستفهام إلى التقرير ؛ ألا ترى أن التقرير ضرب من الخبر ، وذلك ضدّ الاستفهام . ويدلّ على أنه قد فارق الاستفهام امتناع النصب بالفاء في جوابه ، والجزم بغير الفاء ( في جوابه ) ألا تراك لا تقول : ألست صاحبنا
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لزيد الخيل في ديوانه ص 155 ، والجنى الداني ص 344 ، والدرر 5 / 146 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 772 ، وشرح المفصل 8 / 152 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 358 ، والأشباه والنظائر 2 / 427 ، 7 / 55 ، وتذكرة النحاة ص 78 ، وجواهر الأدب ص 281 ، وخزانة الأدب 11 / 261 ، 263 ، 266 ، ورصف المباني ص 407 ، وشرح عمدة الحافظ ص 385 ، واللمع ص 317 ، ومغنى اللبيب 2 / 352 ، والمقتضب 1 / 44 ، 3 / 291 ، وهمع الهوامع 2 / 77 ، 133 . ويروى : ( القاع ) مكان ( القف ) . القفّ : ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلا . اللسان ( قفف ) .